الصورة عند غادامير- عرض وتمثيل بقلم الدكتورة هدى صلاح رشيد الدّولة
لاشك أن العصر الذى نحيا فيه هو عصر الصورة، فالثورة الرقمية جعلتنا نسكن شبكة من الرموز وليس كوكبا ، وبدأ البعض يتحدث عن نهاية الكتابة وسطوة المرئى وبشر البعض الآخر بالتحول الذى حصل للصور من مجرد وسائط إلى خميرة للإبداع ومادة للتفكير.
من هذا المنطلق قام الفيلسوف الهرمينوتيقى الألمانى المثير للجدل هانس جورج غادامير "1900-2002" بالاستشكال الأنطولوجى لمصطلح الصورة أول مرة فى كتابه" الحقيقة والمنهج" حيث بين التناسج الأنطولوجى بين الصورة وأصلها وقام ببناء هرمينوتيقا فلسفية تعيد تعريف مفهوم الفن بشكل مغاير عن التعريفات السائدة وتقوم بنقد الوعى الجمالى وتعتمد على اللعب كمبدأ تفسيرى وتجسد ذلك فى طرحه للأسئلة التالية: أى نمط وجود يمكن أن تحتله الصورة؟ ماهو الأمر المشترك بين مختلف أشكال الصور؟ هل يمكن تطبيق نمط الوجود الجمالى الذى يجعل من اللعب مفتاحا للتفسير الأنطولوجى على الصورة؟ ما علاقة الصورة بالأصل الذى تصوره؟ هل هى مجرد نسخة أم أنها عرض مضاعف للأصل؟
ان رهان غادامير ليس التخلى عن الفن أو البحث عن بديل عن الصورة بل إبراز الوظيفة الأنطولوجية للصورة وإعادة تعريف الظاهرة الجمالية وذلك بإحراز أفق يربط بين الفن والعالم ويصالح بين الإنسان والتاريخ ويماهى بين الجمال والحقيقة.
من جهة أخرى يذكر غادامير استعادة جماليات العبقرية نظرية الإلهام والتوسط والحدس والتقمص وعزل الأعمال الفنية عن الحياة والتعامل معها كمجردات ورموز مغلقة على ذاتها . يقول غادامير حول هذا الموضوع:" إنما نحن نؤطره مثل صورة ونعلقه على جدار"، إن النظرة الاختزالية تظهر فى الحاجة إلى المكان والتأطير والوضع جنبا إلى جنب وقد تسبب فيها الوقوع ضحية الاستخدام العام للصورة: "نحن نفهم من هذه الكلمة الصورة الحديثة المؤطرة التى لا تحدد بمكان معين وإنما تعرض نفسها بنفسها على نحو كامل بفضل الإطار الذى يؤطرها. وهذا يمنح اللوحات إمكانية أن توضع جنبا إلى جنب كما فى قاعات العرض الحديثة"
من هذا المنطلق يشعر الإنسان المعاصر إزاء ظواهر الفن بالاغتراب والضياع فقد حجبه اغتراب الوعى الجمالى الذى نسى ماهية الفن وخبرته الأصلية بالحقيقة ولذلك يسعى غادامير نحو ربط الفن بالعالم المشترك وذلك بالحفر فى الجذور وتحقيق المصالحة بين فن الماضى وفن الحاضر طالما أن الآثار الفنية التى خلفها السابقون هى ينابيع ينبثق منها الجمال والحقيقة والمعنى.
يبذل غادامير جهده من أجل تجاوز هذه الحالة غير المقبولة التى انتهى إليها الفن ولذلك يعيد تعريفه كما يلي:" طبيعة الفن لا تتمثل فى تحويل شيء كان قد تشكل من قبل أو تتمثل فى نسخ شيء كان موجودا من قبل. إنما الفن هو شروع من خلاله يبرز شيء ما بوصفه شيئا حقيقيا." والمقصود من ذلك أن المهمة الفريدة التى ينبغى أن ينهض بها الفن فى حياتنا المعاصرة هى قدرته على تشخيص أسباب التوتر وعدم الألفة بين الإنسان والعالم والعمل على مساعدة الإنسانية على إعادة الحياة إلى تجربة القرب والألفة إزاء العالم من خلال اللغة.
المشكلة أن ربط الصورة بالعرض أدى إلى تضخم عرض الصور والكف عن القول بخيالية الصور بل الإقرار بواقعيتها وماديتها والذى أدى بدوره إلى غياب أمكنة فارغة تصلح لعرض الصور الجديدة.
ألم يقل غادامير:"منذ لم يعد لدينا أى مكان للصور عرفنا آنذاك فقط أن الصور ليست متخيلة بل تحتاج إلى مكان" ؟ كيف سيصل غادامير إلى تعريف جديد للفن يتمثل فى زيادته من قدرة الكائن على أن يكون مصورا طالما أن الصورة هى المجال الوحيد الذى يتيح له فرصة أن يعرض نفسه بالشكل الذى هو عليه فعلا؟
ومن جانب اخر إن للصورة قوام وجودى بينما النسخة تطمس نفسها وأقصى ما تريده هى أن تكون متشابهة مع الأصل أما الصورة فهى تجعل الشخص يوجد والشيء يظهر وان إعادة إنتاجها تكتسب وجودا مستقلا يفوق الأصل أحيانا.
ان القراءة الهرمينوتيقية من طرف غادامير للصور بينت أن اللاتمايز بين هوية الصورة والمصور فى اللحظة السحرية هو الطابع الأساسى الذى يطبع تاريخ الصورة لأنها غير قادرة أنطولوجيا على الانفصال عما هو ممثل وأن "نموذج الصورة المرآوية لا يغطى التصور الجمالى عن الصورة"]لأنها مجرد مظهر وانعكاس مرآوى وغير موجودة واقعيا وتعتمد كوسيلة لإظهار ماهو منعكس فيها. فى حين أن الصورة تؤكد وجودها الخاص وتمكن ماهو مصور من الوجود.
يقول غادامير:" فالقول ان التمثيل صورة وليس الأصل نفسه لا يحمل أى معنى سلبى فهو ليس وجودا ناقصا وإنما هو واقع مستقل بذاته"
ينتهى هذا الفيلسوف إلى تأكيد الاختلاف بين علاقة الصورة بأصلها وعلاقتها بنسختها رافضا العلاقة أحادية الجانب طالما أن الصورة عندما يعاد عرضها فهذا ليس تكرارا أو مجرد حدث عرضى بل يدخل فى صميم وجودها وهو حدث أنطولوجى ويحتل نفس المنزلة مع ماهو مصور. ليس العرض مجرد مناسبة لكى تظهر الصورة للعموم بل هو طريقة ينمو بها وجود الصورة لأن كل صورة يمكن أن تعرض نفسها بطرق مختلفة، يقول غادامير عن هذا الموضوع:"مضمون الصورة ذاتها يعرف أنطولوجيا بأنه فيض للأصل"
وحجته يستمدها من الأفلاطونية المحدثة ومن اللاهوت المسيحى.
ان نمط وجد الصورة حسب غادامير هو التمثيل وهذا الأخير لم يعد يعنى الاستنساخ والعوض بل الاستبدال والحضور، هنا يقوم فيلسوفنا بتعديل أساسى للعلاقة الأنطولوجية بين الأصل والنسخة ويقلب التصور الأفلاطونى رأسا على عقب تشبها بنيتشه وبالتالى لم يعد الأصل هو المرجع الذى نقيس به القيمة الأنطولوجية للنسخة بل أصبحت النسخة التى هى الصورة تؤثر على الأصل لأن "الأصل لا يصير أصلا إلا من خلال الصورة فقط"
أ.م.د هدى صلاح رشيد
كلية التربية للبنات / جامعة تكريت