Menu

قراء في فلسفة الانسان عند كانط

مقاله بقلم

 أ.م.د هدى صلاح رشيد

كلية التربية للبنات / جامعة تكريت 

==================================

 
قراء في فلسفة الانسان عند كانط
أثَّر فكرُ كانط على الحاضر، فقد رَفَعَ هذا الفكر إلى صعيد أعلى من الصعيد الذي انطلق منه الكاتب نفسه، زود أخلافه بمزية التمتع، من أجل اجتهاداتهم هم، بنوع من المقفز انطلاقًا مما كان يجب، بنظر ذلك الرجل العظيم، أن يبقى هو الغاية.
ومنه، أود أن أتكئ على فلسفة كانط الأخلاقية لكي أستخدمها كمقفز.
في تساؤل كانط عن النزوع الطبيعي للإنسان إلى خبث النية mal-veillance، توصل إلى الإجابة.
إن جملة الميول (التي تُسمى تلبيتُها عندئذ السعادة الشخصية) هي التي تشكِّل الأنانية. والأنانية هي إماحب الذات، وهو عبارة عن مراعاة مفرطة للنفس، وإما إرضاء النفس
بذا فإن "الاعتزاز بالنفس" amour-propre (نزوع المرء إلى حب نفسه على حساب الآخرين) طبيعي لدى الإنسان، وهو يستيقظ فيه قبل القانون الأخلاقي. الإنسان، بطبيعته، ميال إلى الحرص على مآربه هو أولاً. فحين يبادر المرء إلى الفعل يصطدم دومًا بالأنا العزيزة التي تنتهي دومًا إلى الظهور الإنسان، تأكيدًا لهويته، في حاجة لا تُقهَر إلى الاعتراف به؛ وهو يتوقع من الآخرين أن يُظهروا له هذا الاعتراف كانعكاس لحبِّه لنفسه. وهذا لا يعني وجوب إسكات كل طموح – فالطموح حافز من حوافز الإرادة: لكن الطموح ليس نبيلاً إلا عندما يكون في خدمة قناعة ما. غير أن الإنسان، بكل أسف، كثيرًا ما يغريه أن يقدِّم مطامحه على قناعاته.
ومادام الإنسان خاضعًا لميوله الطبيعية – قد يستطيع ألا يستمع إليها، لكنه لن يُسكتها أبدًا –، فهو يتصف بشهوة هائلة إلى المجد، وهو يستظل بمجد الآخرين. إنه لا ينفك يعبد نفسه ويهيب بالآخرين أن يشاركوا في هذه العبادة. يريد الإنسان أن يكون شهيرًا وسط الآخرين، أي أن يُشهره الآخرون بذكره. والإنسان، في طلبه الشهرة، التي يأمل أن تستمر بعد موته بتركها أثرًا في التاريخ، يريد أن يشبع رغبته في الخلود. بيد أن الشهرة، لا تلك التي تُنال عفوًا بل تلك التي تُطلب، لا يفوز بها المرء إلا ضد الآخرين. إذ إن اشتهار المرء هو أن يكون على نحو ما في المرتبة الأولى.
حين يلتقي كائنان، وكلٌّ منهما يريد أن يثبت حبَّه لنفسه، فهو الصدام لا محالة؛ وهذا الصدام من شأنه جزمًا أن يحرض العنف. العنف هو اصطدام أنانيتين، تجابُه نرجسيتين، احتدام غرورين. كل إنسان فهو شبيه نرجس Narcisse، ذلك الشاب في الأسطورة اليونانية الذي، إذ شاهد انعكاس صورته في الماء، وقع في هوى نفسه. إنه لا يحب إلا نفسه، ولا يهتم للآخرين إلا ليزدريهم. الإنسان، بطبيعته نفسها وفي علاقته مع سواه، يغار تلقائيًّا من غيره من البشر؛ إنه لا ينفك يقدِّر سعادته هو بالمقارنة مع سعادة سواه. الإنسان، حبًّا بنفسه، يقارن نفسه دائمًا بالآخرين، مريدًا أن يتفوق عليهم يقول كانط:من حب الذات هذا ينجم نزوع المرء إلى أن يؤمِّن لنفسه قيمة ما في رأي سواه؛ وأغلب الظن أنه لا يريد في الأصل إلا المساواة، فلا يتيح تفوقًا عليه لأحد، بينما هو يخشى دومًا أن يطمح آخرون إلى هذا التفوق؛ ومنه تنتج شيئًا فشيئًا الرغبة الجائرة في الفوز به للنفس على حساب الآخرين. – وفوقهما، أي على الغيرة والمنافسة، يمكن أن تنزرع أكبر الرذائل، ما بَطُنَ منها وما ظهر، من صنوف العداء ضد جميع الذين نعتبرهم بنظرنا غرباء…

 

 
Go to top